عبد العال سالم مكرم
41
من الدراسات القرآنية
الرسالات أن يتصفوا بما يتصف به الأنبياء والرسل ، يؤدون الأمانة ، ويبلغون الرسالة ، شعارهم وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى « 1 » . وصعب على نفسي أن جار اللّه الزمخشري لم يبين لنا المصادر التي اعتمد عليها في كتابه . فأبو حيان النحوي في كتابه العظيم البحر المحيط ، وضح في مقدمته المصادر التي انتفع بها ، وبذلك أدى للضمير حقه ، وللعلم أمانته ، فيقول مثلا : « فما كان في كتابي هذا من تفسير الزمخشري رحمه اللّه ، فأخبرني به أستاذنا العلامة أبو جعفر أحمد بن إبراهيم الزبير قراءة منى عليه فيه . ثم يقول : « وما كان في هذا الكتاب من تفسير ابن عطية فأخبرني به القاضي الإمام أبو علي الحسين بن عبد العزيز بن أبي الأحوص القرشي قراءة منى عليه لبعضه » « 2 » . وعلى هذا النهج يسير أبو حيان مبينا المصادر التي اعتمد عليها سواء كانت في التفسير أو في النحو أو في القراءة أو في اللغة ، ولكنك حينما تقرأ مقدمة الزمخشري فلا تجد شيئا من ذلك اللهم إلا الإشارة بمن سلك في دروب علم التفسير الوعرة التي لا يتحمل السير فيها إلا أولو العزم من العلماء : يطالعك في مقدمة كتابه بهذه العبارات الرشيقة الأخاذة « فالفقيه وإن برز على الأقران في علم الفتاوى والأحكام . والمتكلم وإن بز أهل الدنيا في صناعة الكلام . وحافظ القصص والأخبار ، وإن كان من ابن القرية أحفظ . والواعظ ، وإن كان من الحسن البصري أوعظ . والنحوي ، وإن كان أنحى من سيبويه . واللغوي وإن علك اللغات بقوة لحييه ، لا يتصدّى منهم أحد لسلوك الطرائق ، ولا يغوص على شئ من تلك الحقائق إلا رجل قد برع في علمين مختصين بالقرآن ، وهما علم المعاني ، وعلم البيان . . . إلى أن يقول : بعد أن يكون آخذا من سائر العلوم بحظ ، جامعا بين أمرين تحقيق وحفظ . إلى أن يقول : فارسا في علم الأعراب . . . وكان مع ذلك مسترسل الطبيعة منقادها ، مشتعل القريحة وقّادها إلخ » « 3 » . وتنتهى المقدمة ، ولم يحاول أن يشير إلى مرجع واحد ، يكون قد انتفع به على الرّغم من كثرة المصادر في التفسير التي سبقته .
--> ( 1 ) الليل : آية 19 ، 20 . ( 2 ) مقدمة البحر المحيط لأبى حيان الأندلسي . ( 3 ) مقدمة الزمخشري لكشافه .